بوصلة الشامترجمات نبضتقاريرنبض الساعةهيدلاينز

من الرماد إلى الأمل: هل تنجح سوريا في تحويل الألم إلى بداية جديدة؟

ترجمة – نبض الشام

رغم استمرار الانقسامات الدولية حول سوريا ومشاهد العنف التي لا تزال تمزق نسيجها الاجتماعي، تبرز في عمق المأساة أصوات تدعو إلى الأمل والمصالحة. شهادات مروّعة من قلب الصراع. وفي ظل مؤشرات على تحرك حكومي وتحضيرات لانتخابات برلمانية مرتقبة، يبقى السؤال: هل تكون هذه بالفعل بداية جديدة لسوريا؟

سلام مفقود وسط الفوضى
بينما لا يزال مجلس الأمن الدولي منقسماً بشأن توقيت رفع العقوبات على سوريا، وتُبدي بريطانيا تحفظاً حيال الحكومة الانتقالية في دمشق، يضطر ملايين السوريين للتعايش في بلد ما زالت فيه السلامة والأمن غير مضمونَين، رغم الوعود بولادة جديدة.

مأساة خِتام: قصة من قلب الجحيم
من بين هؤلاء، تبرز قصة خِتام حوارين، شابة بدوية في الثامنة عشرة من عمرها من محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية. تحدثت لصحيفة “ذا ناشيونال” عن أسبوع دموي اجتاح منطقتها، وروت كيف شاهدت جثة والدتها تحترق بجوارها بعد أن أطلق مسلحون دروز النار على عائلتها.

وقد قُتل في الهجوم والدتها، وعمتها، وزوجة عمها، وجدتها، وابنا عمها (أحدهما في السادسة من عمره) بينما كانوا يحتمون خلف جدار حجري. وقالت: “الجميع ماتوا، باستثنائي أنا”.

دوامة عنف متبادل
على الجانب الآخر، هناك أيضاً تقارير مروعة عن دروز مدنيين تعرّضوا لأعمال عنف مروّعة على يد مسلحين من فصائل أخرى في المنطقة، وسط فوضى أمنية متفاقمة.

جراح ما بعد الأسد
الصدام الدامي بين بعض الفصائل الدرزية والبدوية (المُعقّد بوجود متشددين إسلاميين في صفوف قوات الأمن) يمثل أحدث موجة من العنف الذي يجتاح سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي. وقد زادت الأوضاع سوءاً بعد مقتل مدنيين علويين في مارس، في واقعة أثارت اتهامات خطيرة بمشاركة قوات الأمن، ما بدّد بسرعة أي أمل بولادة جديدة لسوريا.

الأمل هو الخيار الوحيد
ومع ذلك، تبقى ضرورة التمسك بالأمل قائمة. فالسوريون يأملون في أن تنتهي ثقافة الإفلات من العقاب التي ميّزت الحقبة السابقة. وهناك مؤشرات على أن الحكومة الجديدة تُدرك ذلك؛ فقد أعلنت وزارة الدفاع السورية الأسبوع الماضي أنها على علم بانتهاكات مروّعة ارتكبها مقاتلون بزيّ عسكري في السويداء، وأكدت أن تحقيقات تجري بشأنها حالياً.

شرخ اجتماعي عميق
ورغم هذه الخطوات، فإن الانهيار المتكرر في النظام والقانون خلّف أثراً بالغاً في النسيج الاجتماعي السوري. فهناك الآن مجموعات كاملة من الدروز والبدو والعلويين لا ترى في المجتمعات الأخرى سوى الخوف والألم. يصعب تقدير مدى تأثير ذلك في المستقبل، كما قال سيدريك لابروس، خبير الشأن السوري، لـ “ذا ناشيونال”:
“تخيلوا فقط ما الذي سيفكر فيه الأطفال البدو عن الدروز بعد هذا. وتخيلوا ما الذي سيفكر فيه الأطفال الدروز عن البدو بعد عشرين عاماً”.

مسؤولية القيادة الجديدة
تُلقى على عاتق الرئيس أحمد الشرع وفريقه مسؤولية مزدوجة: فرض الأمن واقتلاع المجرمين من صفوفهم، وبناء دولة تمثل جميع مكوناتها بحق.

أصوات ترفض الكراهية
لكن، رغم عمق الجراح، يرفض العديد من السوريين (حتى من فقدوا أحبّاءهم) السقوط في مستنقع الكراهية الطائفية. تقول خِتام: “هناك دروز طيبون ودروز سيئون. أولئك الذين هاجمونا كانوا مسلحين. أما الذين أنقذوني، فلم يكونوا كذلك”.

بناء دولة للجميع
على الرئيس وفريقه دعم هذا النوع من الوعي والاعتراف المتبادل. وهذا يتطلب ما هو أبعد من الإجراءات الأمنية، ويشمل تأسيس دولة تُحترم فيها رغبة الناس في التعايش السلمي وتُصغى فيها أصواتهم.

الانتخابات المقبلة: فرصة أم اختبار؟
الأنباء عن عزم سوريا إجراء أول انتخابات برلمانية في ظل الحكومة الجديدة في سبتمبر المقبل تحمل في طياتها بعض الأمل.

لكن يجب أن تُفضي هذه العملية إلى برلمان يضم نواباً اختارهم الناس لكفاءتهم، لا لانتمائهم الطائفي. وإذا تم ذلك بالشكل الصحيح، فقد يوفّر هذا المنتدى الجديد دعماً شعبياً حقيقياً للحكومة في مساعيها لضمان عدم تكرار مشاهد العنف في السويداء، واللاذقية، وطرطوس، وحماة، وحمص.

سوريا أمام مفترق طرق
سوريا تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إمّا أن تواصل الدوران في دوامة الانتقام والكراهية، أو أن تبدأ رحلة شاقة نحو المصالحة والعدالة الشاملة. قصص مثل قصة خِتام تُذكرنا بأن الألم لا ينبغي أن يتحول إلى حقد، بل إلى حافز لتغيير حقيقي.

وإذا التزمت القيادة الجديدة ببناء دولة تمثّل الجميع وتحترم تطلعاتهم، فقد تتحول هذه اللحظة من جرح مفتوح إلى بداية تستحق أن تُسمّى بداية جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى